السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
320
مختصر الميزان في تفسير القرآن
ففي قوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ نوع تكنية وتعليل أي إنكم أنتم المعذبون لأنكم ظالمون والعذاب الإلهي لا يعدو الظالمين إلى غيرهم ، وفي الجملة إشارة إلى ما تقدم من قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( آية / 47 ) . قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ إلى آخر الآية ؛ ذكروا في وجه اتصال الآية بما قبلها أن الآية السابقة لما ختمت بقوله : « وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ » زاد اللّه سبحانه في بيانه فذكر أن خزائن الغيب أو مفاتيح تلك الخزائن عنده سبحانه لا يعلمها إلا هو ، ويعلم كل دقيق وجليل . وهذا الوجه لا يتضح به معنى الحصر الذي يدل عليه قوله : « لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ » فالأولى أن يوجه الاتصال بما يشتمل عليه مجموع الآيتين السابقتين أعني قوله : « قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي - إلى قوله - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ » حيث يدل المجموع على أن ما كانوا يقترحونه من الآية وما يستتبعه من الحكم ، الفصل والقضاء بينه وبينهم إنما هو عند اللّه لا سبيل اليه لغيره فهو العالم بذلك الحاكم به ولا يغلط في حكمه الفصل وتعذيب الظالمين لأنه أعلم بهم فهو عالم بالغيب لا يشاركه فيه غيره ، وعالم بكل ما جل ودق لا يضل ولا ينسى ، ثم زاد ذلك بيانا بقوله : « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ » الآية فبيّن به اختصاصه تعالى بعلم الغيب وشمول علمه كل شيء ، ثم تمّم البيان بالآيات الثلاث التي تتلوها . وبذلك تصير الآيات جارية مجرى ما سيقت إليه نظائرها في مثل المورد كقوله تعالى في قصة هود وقومه : قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ ( الأحقاف / 23 ) . ثم نقول : المفاتح جمع مفتح بفتح الميم وهو الخزينة ، وربما احتمل أن يكون جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح ، ويؤيده ما قرئ شاذا : « وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ » ومآل المعنيين واحد فإن